الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
173
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لهم الأمثال ، وانتقل الكلام من مجال إلى مجال ، أعيد خطابهم هنا بمثل ما خوطبوا به بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ [ الصف : 2 ] ، أي هل أدلكم على أحب العمل إلى اللّه لتعملوا به كما طلبتم إذ قلتم لو نعلم أيّ الأعمال أحبّ إلى اللّه لعملنا به فجاءت السورة في أسلوب الخطابة . والظاهر أن الضمير المستتر في أَدُلُّكُمْ عائد إلى اللّه تعالى لأن ظاهر الخطاب أنه موجه من اللّه تعالى إلى المؤمنين . ويجوز أن يجعل الضمير إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم على تقدير قول محذوف وعلى اختلاف الاحتمال يختلف موقع قوله الآتي وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [ الصف : 13 ] . والاستفهام مستعمل في العرض مجازا لأن العارض قد يسأل المعروض عليه ليعلم رغبته في الأمر المعروض كما يقال : هل لك في كذا ؟ أو هل لك إلى كذا ؟ والعرض هنا كناية عن التشويق إلى الأمر المعروض ، وهو دلالته إياهم على تجارة نافعة . وألفاظ الاستفهام تخرج عنه إلى معان كثيرة هي من ملازمات الاستفهام كما نبه عليه السكّاكي في « المفتاح » ، وهي غير منحصرة فيما ذكره . وجيء بفعل أَدُلُّكُمْ لإفادة ما يذكر بعده من الأشياء التي لا يهتدى إليها بسهولة . وأطلق على العمل الصالح لفظ التجارة على سبيل الاستعارة لمشابهة العمل الصالح التجارة في طلب النفع من ذلك العمل ومزاولته والكد فيه ، وقد تقدم في قوله تعالى : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ في سورة البقرة [ 16 ] . ووصف التجارة بأنها تنجي من عذاب أليم ، تجريد للاستعارة لقصد الصراحة بهذه الفائدة لأهميتها وليس الإنجاء من العذاب من شأن التجارة فهو من مناسبات المعنى الحقيقي للعمل الصالح . وجملة تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مستأنفة استئنافا بيانيا لأن ذكر الدلالة مجمل والتشويق الذي سبقها مما يثير في أنفس السامعين التساؤل عن هذا الذي تدلنا عليه وعن هذه التجارة . وإذ قد كان الخطاب لقوم مؤمنين فإن فعل تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ مع وَتُجاهِدُونَ مراد به تجمعون بين الإيمان باللّه ورسوله وبين الجهاد في سبيل اللّه بأموالكم وأنفسكم تنويها بشأن الجهاد . وفي التعبير بالمضارع إفادة الأمر بالدوام على الإيمان وتجديده في كل آن ، وذلك تعريض بالمنافقين وتحذير من التغافل عن ملازمة الإيمان وشؤونه .